محمد أبو زهرة
17
المعجزة الكبرى القرآن
نزول القرآن 6 - من وقت أن من اللّه تعالى على الإنسانية بالبعث المحمدي ابتدأ نزول القرآن ، فأول آية نزلت كانت الخطاب من اللّه تعالى بالتكليف الذي كلفه تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم بحمل الرسالة إلى خلقه ، فقد نزلت أول آية وهي : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ( 5 ) [ العلق : 1 - 5 ] . فكان هذا إيذانا بأن دين العلم قد وجب تبليغه ، وأن كتاب العلم قد ثبت تنزيله ، وأن إعلاء شأن الفكر قد جاء به خاتم النبيين ، وسيد المرسلين ، وفيه إيماء إلى أن الإسلام والعلم يجتمعان ، ولا يتناقضان أبدا . توالى نزول القرآن منجما في مدة الرسالة المحمدية التي استمرت ثلاثا وعشرين سنة يدعو فيها بالحق ، وإلى صراط مستقيم ، ينير السبيل ، ويهدى للتي هي أقوم . فكانت الآيات القرآنية تنزل وقتا بعد آخر ، وكان التحدي بما نزل وإن لم يكن ما نزل كل القرآن ، لأن كل جزء منه ينطبق عليه اسم الكتاب ، بل القرآن ، إذ إن التحدي يقع به ، والمعجزة تتحقق فيه ، فقد تحدى أهل مكة أن يأتوا بمثله ، ولم يكن قد نزل كله ، فقد قال تعالى في سورة يونس ، وهي مكية : قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 16 ) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ( 17 ) [ يونس : 16 ، 17 ] ، وجاء التحدي في هذه السورة أيضا فقال تعالى : وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 37 ) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 38 ) [ يونس : 37 ، 38 ] ، وجاء في سورة هود وهي مكية أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 13 ) [ هود : 13 ] . ومن هذا كله يتبين أن بعض القرآن قرآن يتحدى فيه ، فهو الكتاب الكامل في كله ، والكامل في جزئه ، وهو معجز في أجزائه ، كما هو معجز في ذاته ، وإن شئت فقل إنه معجزات متضافرة ، وإذا كان لموسى تسع آيات بينات فلمحمد مئات من المعجزات البينات . حكمة نزوله منجما 7 - وقد يسأل سائل : لما ذا نزل القرآن منجما ولم ينزل دفعة واحدة كما نزلت الألواح العشر على موسى عليه السلام ، وكما نزل الزبور على داود ؟ وإن مثل هذا